الشيخ محمد هادي معرفة
414
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وعبيداللّه بن جحش ، وعثمان بن حويرث ، وزيد بن عمرو ، من أفذاذ قريش - . فقال بعضهم لبعض : تعلمون واللّه ماقومكم على شيء ! لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم ! ماحجرٌ نطيف به ، لا يسمع ولا يبصر ولايضرّ ولا ينفع ! يا قوم ، التمسوا لأنفسكم دينا ، فإنّكم واللّه ما أنتم على شيء . فتفرّقوا يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم . « 1 » وهؤلاء - وأمثالهم من غيرهم يومذاك - فارقوا دين قومهم واعتزلوا الوثنية وعبادة الأصنام وأكل الميتة والدم والذبائح على النصب وتقذّروا الفحشاء والمنكرات ووأد البنات وما إليها من عادات جاهلية سيّئة . . . وسمّوا بالحنفاء ، حيث اتّباعهم الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام . والحنيفيّة ، من الحَنَف هي النزاهة والقداسة إن فكريّا أو عمليّا ، وفق الفطرة الأولى الضاحية . قال تعالى : « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » . « 2 » وفي الحديث : سئل عن الحنيفية ؟ قال : هي الفطرة . « 3 » قال الراغب : الحَنَف ، هو ميل عن الضلال إلى الاستقامة . والجَنَف ، ميل عن الاستقامة إلى الضلال . « 4 » والحنيف ، المائل إلى الاستقامة . قال تعالى : « قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً » . « 5 » وقال : « حَنِيفاً مُسْلِماً » . « 6 » وجمعه : حُنَفاء . قال تعالى : « وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفاءَ لِلَّهِ » . « 7 » قال : وتحنّف فلانٌ أي تحرَّى طريق الاستقامة . وَسَمَّتِ العربُ كُلَّ من حجّ أو اختتن : حنيفا ، تنبيها أنّه على دين إبراهيم عليه السلام . قال أبو زيد : الحنيف ، المستقيم ، وأنشد :
--> ( 1 ) - راجع : تفصيل القصّة في سيرة ابنهشام ، ج 1 ، ص 237 - 248 . ( 2 ) - الروم 30 : 30 . ( 3 ) - بحارالأنوار ، ج 3 ، ص 276 . ( 4 ) - كما في قوله تعالى : « فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً . . . » البقرة 182 : 2 . أي ميلا عن الحقّ في الوصاية . ( 5 ) - النحل 120 : 16 . ( 6 ) - آل عمران 67 : 3 . ( 7 ) - الحجّ 30 : 22 و 31 .